الحالة الحرجة للمدعو ك : إصابة الروح والبدن

 

الحالة الحرجة للمدعو ك : إصابة الروح والبدن

تتميز رواية “الحالة الحرجة للمدعو ك “ للكاتب السعودي عزيز محمد، والتي وصلت الى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية٢٠١٨ ، بأسلوب الحوار الداخلي مع النفس و طرحها لمعاناة النفس الداخلية لمريض السرطان. يتناول الكاتب في الأربعين قسما أو كما درجها ،أربعين اسبوعا، حياة ك التي نتعرف عليها من خلال حوارات ك مع نفسه معظم الوقت. ونكتشف من خلال هذه الحوارات ماضيه وحاضره ومواجهته لمرض السرطان و تأثيرات المرض عليه وعلى الآخرين من حوله٠

وتتميز الرواية هو بعدم وجود أسماء للأشخاص . فالرواي هو ك والآخرون هم الأب، الأم ، الأخ والأخت ، المدير وغيرهم، وبهذا يركز الكاتب على ما يدور في حياة ك ومشاعره وما يمر به٠

أود ان اتحدث عن هذه الرواية من جانب الحالة النفسية للمدعو ك. التأثيرات نفسية والأجتماعية التي جعلت من ك أنسان فقد أحساسه بالحياة حتى قبل أن يصاب بالسرطان. وأعتقد أن الرواية تنقل ذلك باسلوب مبدع من خلال تسلسل الاحداث و حديث ك عن كل ما مر في حياته وعلاقته بوالديه واخته واخيه.فلو اخذنا الرواية من ابعادها النفسية وتراكمات هذه الأبعاد على شخصية ك ،لرأينا كم أن هذه التأثيرات النفسية لها دور في خلق شخصية ناجحة و محبة للحياة أو خلق شخصية كئيبة منعزلة عن الحياة كما هي شخصية ك. وأن الكلام الجارح و المعاملة السيئة للانسان أن كان طفلا او كبير في العمر تترك آثارها السلبية على الشخص من نواحي عديدة -ـ نفسية وغير نفسية. أعتقد أنها أكثر من رواية فمن خلال الرواية يبرز تأثير الحالة النفسية للانسان ودور الاخرين في حياة المريض الذي يعاني نفسيا وجسديا٠

كان ك يعاني منذ طفولته من نزيف في الانف والدوران مما جعله ينطوي على نفسه ولا يخالط الاخرين ورفض والديه تصديقه الا بعد وقت طويل .ولكن بعد زيارة الطبيب الذي يؤكد لهم أنه سليم وأنه يمر في مرحلة النضوج ، يخبره والده كما يذكر :  أبي أخبرني أن أكف عن التمارض والوسوسة كي لا أقلق   أمي ٠

كما أن والده كان يستعمل كلمة “ لا تبالغ “ على الدوام لانه يعتقد أن كل ما يقوله ك او أي احد من أبنائه هو كلام مبالغ فيه مما جعله يكف عن الكلام عن مرضه أو حتى الفرح عند نجاحه بجدارة٠

فمن هنا بدأت حالة أنعزاله عن الأخرين لعدم تصديقهم به ولكونه لا يستطيع مجاراة أصدقائه في اللعب لمرضة ، وبعدها تتوالى الاحداث التي يحاول فيها ك كولد مراهق من أن يجد نفسه من خلالها ، لكن تعليق الاخرين و أستهزائهم بمشاعره تجعله ينبذ كل شيء٠

فعندما بدأ يكتب الشعر ، سعدت والدته وبدت فخورة بذلك بدأت تخبر العائلة و أصدقائها ولكن الأهل والاصدقاء لم يستقبلون ذلك بطريقة جيدة ، يقول ك:  وجدت نفسي محط أهتمام مربك و تعليقات يصعب تمييز المشجع منها من الساخر و اثر هذا انقطعت عن الكتابة سنين عديدة٠

ثم حاول أن يجد ما يمكن أن يتمرد به على عائلته و أن يعلن غضبه وألمه ووجد ذلك في كتب الدين – ــ الكتب الوحيدة الموجودة في مكتبة البيت، ليس لانهم عائلة متدينة ولكنها كانت لكنها كانت موضة دارجة وقتها ان تزين البيوت بهذا النوع من المكتبات ــ . فأنكب يقرأها تمردا على عائلته التي لم تكن متدينه ، لكن هذا لم يدم طويلا لان بعد أستنكار لم يدم طويلا من والدته ، لم يحصل على أي أنتباه من والديه٠

ثم أنتقل الى قراءة الكتب الغربية بعدما اصبح قادرا على شراء كتبه ، وبدأ يقضي وقتا طويلا في المنزل للقراءة. وهنا تظهر مرة أخرى علاقته  بوالدته الذي يقول عنها أنها علاقة انتقاد متبادل. تسخر منه والدته لجلوسه في المنزل وقتا طويل ويذكر ك ذلك : تنبهني  بنبرة ساخرة تحاول أن تجعلها تبدو مازحة قدر الامكان مدركة أن ملازمة البيت ليس مما يلام عليه الابناء بالعادة، فتشير الى أني كنت لاصبح عونا كبيرا لوكنت فتاة، ثم تتبع هذا بضحكة مبالغة توحي بعدم جديته . لكن من دون ان تفقد نظرتها الساخرة التي تظن بانها ستدفعني لترك الكتب وقضاء وقت اكبر في الخارج. فوالدته تسخر منه لكونه يجلس في المنزل و لانه شاب وليست بنت فاذن عيه الخروج من المنزل كما هو متعارف عليه في المجتمع٠

ويذكر ايضا عن والدته كانت تعبر عن قلقها تجاهي بالتحقير وكنت ابادلها الازدراء كلانا تعوزنا الرقة فنرى هنا عدم معرفة الام بكيفية التصرف معه و بناء علاقتها معه لانه مختلف قليلا عن باقي الاولاد مما وتر العلاقة بينهم٠

اما علاقته بأخيه فقر كانت علاقد جيده عند الصغر ولكنها تغييرت عندما توفي والدهم واصبح الاخ الكبير يأخذ دور الوالد , بالرغم من ان فرق العمر كان سنتين فقط بينهم. وبقيت العلاقة بينهم جافة . وعلاقته بأخته فكانت كتوترة منذ البداية لسبب لم نعرفه ولكن لربما لانه مختلف و منطوي على نفسه ولأنها كانت تود أن تقود العائلة منذ البداية وهذا ما حصل بعدما تزوجت وأصبحت هي التي تقرر الكثير للعائلة مثل زواج أخية بأمراة اختارتها له٠

يتوفى والد ك عندما كان لا يزال في المدرسة فيضطر أن يدرس ما يوفر له العمل .فلم يفكر بما كان يريد أن يتخصص به بل ما هي الشهادة  التي ستوفر له عمل يساعد به في مصروف البيت ، فلقد طوى طموحاته واتخذ وظيفة لا يحبذها ولا يتكلم مع زملائه في العمل ومديره  في العمل يتحدث معه من خلال قصصاصات الورق و الملصقات التي يتركها على الكومبيوتر و فيها ملاحظاته له او من خلال نظرته له و يرفض أن يمنحه اجازات٠

فنرى أن ك الذي أكتشف أصابته بمرض السرطان، هو شخص لا ينام و يعيش حالة يأس ، لا يحب عمله ولا يتحدث مع احد في العمل.يحب الكتابة والقراءة و يقرأ لكافكا. يعيش حياة مختلفة عن عائلته . أخته متزوجه واخيه الذي سيتزوج والبيت الذي عليه ان يتركه لانه سيباع ، ك لا علاقة له بالمرأة ولم تدخل المرأة الحبيبة في حياته ، ما عدا علاقته المتوترة مع أمه وأخته. أن كل ما مر به في حياته قبل أكتشافه المرض خلقت منه هذه الشخصية السودواية المصابة بالاحباط من الحياة٠

وكما هرب من كل شيء في حياته وعاش على الهامش فأنه عندما عرف بمرضه تمنى أن يفقد الذاكرة حتى لا يواجهه. فيقول تمنيت لو اصاب بطريقة ما بفقدان للذاكرة، فأنسى سبب وجودي هنا وأعود و أكمل حياتي من حيث توقفت٠ 

بعد المرض تبدأ صراعاته الاخرى مع العائلة ومع مرضه . بدأت العائله تلومه على مرضه ، فكيف يصاب وأخيه على أبواب الزواج وعليهم أن يحافظوا على مكانتهم الاجتماعية أمام عائلة الزوجة وخصوصا مع أخته التي بدأت تلومه على مرضه كأنه هو الذي يتحكم فيه وعلى عدم وموافقته على الاستمرار في العلاج مما يؤدي الى وفاته قبل زفاف أخيه. فيقول

كان مرضي اشبه بقنبلة موقوته يمكن ان تنفجر في وجهها في اي لحظة خصوصا في ما يتعلق بخطبة اخي وقد اثبتت هذا منذ البداية بتمنعها عن تقديم اي مواساة لي بعد ابلاغي اياها باصابتي وكأن قبولهم بشخص شقيقه مصاب بسرطان الدم بالاخص لم يكن فألا سيئا وحسب ولا فقط نقطة سوداء يمكن أن تلطخ فرح ابنتهم بل نقص وراثي لا يليق بالنخبة التي تتخير دائما الاحسن اختيارات لنطفها و امتناعي عن دورة الكيمو فخليق أن يصعد موقفهم ومنطقة خطرة و الزفاف على بعد أشهر

أما عن معاناته الجسدية والنفسية بعد علاجات مختلفة للمرض لم يعد يميز بين الالم الجسدي والالم النفسي، فالعلاجات قد اخذت قوته و  فالمرض قد أخذ من نفسه وجسده والالام تفوق قابليته على التحمل الا أن يصل مرحلة يتوقع أن يفتح عينيه ليجد نفسه أسوأ من الامس . فيقول تلك الايام التي استيقظ فيها بحسن ظن تجاه حالتي ذلك نوع من المقياس البيولوجي الذي تتغير برمجته تدريجييا بعد ان تعيش مع المرض مدة كافية كل يوم تفتح عينيك وانت تتوقع تلقائيا انك ستكون في حالة سيئة حتى قبل ان تبدا بالادراك والشعور. هذا لا يعني الالفة فانت لا تعتاد ابدا على المرض فقط تنسى كيف كان الامر حين لم تكن مريضا . عند هذه المرحلة كنت قد ابعدت كلمة الشفاء من قاموسي بشكل نهائي  فحتى لو تم القضاء على السرطان ،فإن الاعراض الجانبية المزمنة ، التي خلفها المرض والعلاة ، قد محت كل أمل لي في الحياة الطبيعية السليمة وكان الإدراك المتجدد لهذه الحقيقة أمرا لا يطاق

بعدما ما عانا الكثير من جراء العلاج و لكم يجد أي مساندة من أهله الذي كانوا يرفضون كل ما يطلبه كالتوقف عن العلاج و الخروج من المستشفى وقرر ان يترك العلاج ويسافر الى اليابان ليجرب العلاج المناعي هناك الذي قد يمنحه بعض سنوات ويبعده عن عالمه . ويتعلم او كلمة يابانية التي تعني “الاسى العذب على زوال الأشياء٠

SaveSave

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s